احتجاز/ اختطاف” البحيري.. رفض حقوقي وحزبي تجاوز حدود تونس )

– منظمات وأحزاب محلية وخارجية نددت بطريقة وضع نائب رئيس حركة “النهضة”، نور الدين البحيري، قيد “الإقامة الجبرية” واعتبرتها “إخفاءً قسريا”، محملةً الرئيس سعيد المسؤولية عن حياته

– الداخلية تتهم البحيري بـ”شبهة إرهاب” تتعلق باستخراج وثائق تونسية لسوري وزوجته بـ”طريقة غير قانونية” وتبرر أسلوب توقيفه بتعطل التحقيقات في الملف وهو ما نفت النيابة صحته
اعتبرت هيئات حقوقية وأحزاب تونسية وغير تونسية أن طريقة تنفيذ وزارة الداخلية في تونس لـ”قرار الإقامة الجبرية” بحق نائب رئيس حركة “النهضة”، البرلماني نور الدين البحيري، تمثل “احتجازا خارج القانون” وجريمة ضد الإنسانية، محملةً رئيس البلاد، قيس سعيد، المسؤولية عن تداعيات “عملية الاختطاف”.

والإثنين، أعلن وزير الداخلية، توفيق شرف الدين، أن وضع كل من البحيري (63 عاما)، وزير العدل الأسبق (2011-2013)، والمسؤول السابق بوزارة الداخلية، فتحي البلدي، قيد الإقامة الجبرية يتعلق بـ”شبهة إرهاب”، على خلفية استخراج وثائق سفر وجنسية تونسية لسوري وزوجته بـ”طريقة غير قانونية”.

وقال المحامي سمير ديلو عضو هيئة الدفاع عن البحيري (محامٍ وسياسي)، بمؤتمر صحفي الأربعاء: “نوجه نداء عاجلا للمنظمات الحقوقية الوطنية والدولية أن البحيري (موجود في مستشفى منذ الأحد) بين الحياة والموت بحسب مصادر طبية”.

وتابع: “تدهورت الحالة الصحية للبحيري إثر الإضراب الوحشي (القاسي) عن الطعام الذي يخوضه احتجاجا على اختطافه (..) هو مختطف منذ 6 أيام ومضرب عن الطعام والماء والدواء”.

قضية البحيري جاءت في ظل أزمة سياسية تعاني منها تونس منذ 25 يوليو/ تموز الماضي، حين بدأ سعيد إجراءات استثنائية منها: تجميد اختصاصات البرلمان، وإجراء انتخابات مبكرة في 17 ديسمبر/ كانون الأول المقبل، وإلغاء هيئة مراقبة دستورية القوانين، وإصدار تشريعات بمراسيم رئاسية، وإقالة رئيس الحكومة، وتعيين أخرى جديدة.

وترفض غالبية القوى السياسية والمدنية بتونس، وبينها حركة “النهضة” (أكبر كتلة برلمانية بـ53 نائب من 217)، هذه الإجراءات، وتعتبرها “انقلابًا على الدّستور”، بينما تؤيدها قوى أخرى ترى فيها “تصحيحًا لمسار ثورة 2011″، التي أطاحت بحكم الرئيس آنذاك، زين العابدين بن علي (1987 ـ 2011).‎

وقال سعيد، الذي بدأ في 2019 فترة رئاسية تستمر خمس سنوات، إن تلك الإجراءات هي “تدابير في إطار الدستور لحماية الدولة من خطر داهم”، مشددا على عدم المساس بالحقوق والحريات.

** “جريمة ضد الإنسانية”
والثلاثاء ، طالب رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان (مستقلة)، جمال مسلّم، وزارة الداخلية بتوضيح طريقة إيقاف البحيري في 31 ديسمبر/ كانون الأول الماضي.

وأدان “مسلّم”، في حديثه للأناضول، “الملابسات التي رافقت طريقة إيقاف البحيري والبلدي من قبل قوات أمن بزي مدني”.

وتابع أن “الرابطة مع تطبيق القانون بحذافيره بخصوص التوقيف، وتطالب بتطبيق القانون الذي ينظم وضعية الموقوفين ويحفظ حقوقهم”.

ومنددةً بطريقة إيقاف البحيري، قالت “جمعية الكرامة” (حقوقية مستقلة)، عبر بيان، إن “الاختفاء القسري حسب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يعتبر جريمة ضد الإنسانية، وبالتالي، لا يخضع لقانون التقادم”.

وحمَّلت الجمعية “رئيس الدولة المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كل تداعيات الاختطاف والسلامة الجسدية للمختفين قسريا”.

كذلك نددت مجموعة “محامون لحماية الحقوق والحريات” (تجمع لمحامين) بـ”الخرق الفاضح لأحكام المرسوم المنظم لمهنة المحاماة وعدم احترام الإجراءات الواجب اتباعها عند تتبع كل محام”.

واعتبرت المجموعة، في بيان، أن “البحيري في حالة إخفاء قسري في مخالفة صارخة للقوانين و المواثيق والمعاهدات الدولية المصادق عليها من البلاد التونسية”.

والثلاثاء، ذكرت الهيئة الوطنيّة للوقاية من التعذيب (مستقلة)، في بيان، أن فريقا منها، بالتعاون مع مفوّضية الأمم المتحدة السّامية لحقوق الإنسان، تمكن ليلة الأحد الإثنين من مقابلة البحيري، بعد منع من الدّخول إلى المستشفى من قبل السّلطات الأمنيّة دام عشرين دقيقة؛ بدعوى أنّ الزّيارة “جاءت في وقت غير مناسب”.

وأفادت الهيئة بأنها راسلت وزارة الدّاخليّة إثر تلقيها إشعارين باحتجاز البحيري والبلدي “من طرف جهة أمنيّة غير معلومة في مكان غير معلوم، غير أنّها لم تتلقّ أيّ ردّ إلى حدّ الآن”.

بدوره، أعرب مرصد الحقوق والحريات بتونس (مستقل)، في بيان الإثنين، عن “إدانته الشديدة للأسلوب المافيوزي الذي اعتمدته وزارة الداخلية في عملية اختطاف خصم سياسي لرئيس الجمهورية وأمني متقاعد”.

واعتبر أنه وقع “تجاوز خطير لسلطة القضاء وخرق فاضح لأحكام المرسوم المنظم لمهنة المحاماة وعدم احترام الإجراءات الواجب اتباعها عند تتبع المحامين”.

وشدد على أن “البحيري والبلدي في حالة اختفاء قسري طبقا للقوانين والمواثيق والمعاهدات الدولية المصادق عليها”.

** صراع سياسي
على المستوى الحزبي، قال الأمين العام لحزب “التيار الديمقراطي (22 نائبا)، غازي الشواشي، في تصريح إذاعي الإثنين، إنه “لا يمكن أن نقبل أن يتم اختطاف شخص، وبالفعل تم اختطافه (البحيري)”.

وأضاف الشواشي: “تم استعمال الأمر 50 الذي سنّ سنة 1978 في زمن الاستبداد لضرب المعارضين والمحتجين من النقابيين، وهذا القانون غير الدستوري تم استعماله بعد الثورة تحت عنوان محاربة الفساد، إلا أن محاربة الفساد تتم في إطار القوانين واحترام الحقوق والحريات”.

وأردف: “إذا كان للسيد الرئيس ملفا ضد البحيري أو غازي الشواشي أو أي مواطن تونسي يرفع الأمر للقضاء والقضاء يتخذ الإجراءات الضرورية والشخص المعني بالتتبع تتم محاكمته بمحاكمة عادلة”.

واستدرك: “لكن أن يتم وضع الناس تحت الإقامة الجبرية وحرمان عائلاتهم من زياراتهم وحرمانه من الأدوية والحرمان من معرفة مكان الاحتجاز هذا إخفاء قسري تجرمه القوانين التونسية والدولية التي أمضت عليها تونس.”

والإثنين، قال وزير الداخلية: “قمنا بواجبنا الأمني واحترمنا حقوق الإنسان بتمكين زوجة البحيري من اختيار طبيب يعاين صحة زوجها، وعميد المحامين التقاه واطمأن على صحته، والبحيري رفض الانتقال إلى المستشفى العسكري”.

وزاد الشواشي بأن “ما يقوم به رئيس الدولة، وخاصة وزير الداخلية، أعتقد أنه سيأتي يوما ستتم محاكمته (بسببه)؛ لأنه تجاوز كل الحدود ويعتدي يوميا على المعارضين”.

كما اعتبر الأمين العام للحزب الجمهوري (بلا نواب)، عصام الشابي، أن “اختطاف النائب والقيادي بحركة النهضة الأستاذ نور الدين البحيري واقتياده عنوة إلى جهة مجهولة بعيدا عن أي رقابة قضائية، هو بلا شك انتهاك جديد لحقوق الإنسان ومنعرج خطير يراد به دفع البلاد للصدام المباشر”.

وأردف الشابي، عبر “فيسبوك”: “لذلك أرفع صوتي عاليا للمطالبة بإطلاق سراح الأستاذ البحيري والإقلاع نهائيا عن توظيف أجهزة الدولة في الصراع السياسي”.

أما القيادي بحراك “مواطنون ضد الانقلاب” (شعبي)، الحبيب بوعجيلة، فكتب في تدوينة له، أن ”عملية اختطاف البحيري وإخفائه قسريا على طريقة العصابات لا يكفي أن ننظر إليها على أنها جريمة حقوقية فقط”.

وتابع: “هي تقريبا سقوط مدوٍ أخر للأساطير المؤسسة للانقلاب التي يقيم عليها قوادوه (وشاته) من الأحزاب الوظيفية سرديتهم : تصحيح مسار في مواجهة الفساد و الإرهاب”.

** جريمة اختطاف
خارجيا، قالت المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب (مقرها جنيف)، عبر بيان، إن “احتجاز البحيري تم في نطاق مكان مغلق لا يستطيع مغادرته، وما هو إلا احتجاز بالمعنى الوارد في القانون الدولي وليس مجرد تقييد لحرية التنقل”.

وأضافت أن ما تطلق عليه الداخلية التونسية “إقامة جبرية” بحق البحيري هو “احتجاز تعسفي وغير شرعي”.

وتابعت أن “الإقامة الجبرية المزعومة التي صدرت بحق السيد البحيري لا تستند إلى أي قانون، بل إلى مرسوم رئاسي صدر منذ أكثر من أربعين عامًا”.

وأضافت أنه “لم يتم تقديم أي إشعار مكتوب إلى السيد البحيري يحتوي على الأسباب الدقيقة لوضعه قيد الإقامة الجبرية وكيف أن هذا التدبير ضروري لحماية النظام العام، علاوة على ذلك، تم حرمان البحيري من الاتصال بمحاميه”.

وشدّدت المنظمة على ان “الاحتجاز تعسفي بالكامل وغير شرعيّ، حيث تمّ الإبقاء على سرّيّة مكان الاحتجاز ونقل المعتقل إلى المستشفى، وبموجب القانون الجزائي التونسي، يمكن وصف هذا الاحتجاز بأنه جريمة اختطاف واحتجاز غير شرعي”.

ودعت السلطات التونسية إلى “الكف بشكل عاجل عن إصدار الأوامر القاضية بالإقامة الجبرية وغيرها من تدابير الرقابة الإدارية التعسفية والخالية من أي أساس قانوني”.

كما دعت “السلطات القضائية إلى الاضطلاع بدورها كحامية للحريات”.

** الأزمة السياسية
بعث الأمين العام لحزب “العدالة والتنمية” المغربي (معارض)، عبد الإله بنكيران، برسالة تضامنية موجهة إلى رئيس حركة “النهضة”، راشد الغنوشي (رئيس البرلمان المُجمد)، نشرها الموقع الإلكتروني للحزب المغربي الأربعاء.

وقال “العدالة والتنمية”، في رسالته، إن ما وقع لـ”البحيري” يعد “تطورا خطيرا في الأزمة السياسية التي تشهدها تونس”.

وأعرب عن تضامنه مع البحيري، متمنيا له الشفاء العاجل بعد الوعكة الصحية التي أصابته إثر اعتقاله.

وعبَّر عن أمله بأن “تخرج تونس الشقيقة من هذه الأزمة، وأن يُطلق سراح البحيري وكل المعتقلين السياسيين، وأن يفتح حوار بين كل الفرقاء لخلق أجواء انفراج سياسي، يخدم مصلحة الشعب التونسي الشقيق”.

** ترحيب “الدستوري الحر”
مقابل هذه الإدانات التونسية والخارجية، رحب الحزب “الدستوري الحرّ” (16 نائبا) بإجراءات وزير الداخلية بحق البحيري والبلدي.

واعتبر الحزب، في بيان، أن “اعتراف وزير الداخلية بعلاقة نائب رئيس تنظيم الإخوان فرع تونس (يقصد البحيري وحركة النهضة) بالإرهاب يحمله ويحمل حكومة نجلاء بودن مسؤولية اتخاذ قرارات عاجلة لتفكيك الأخطبوط الإخواني الجمعياتي والسياسي ذي العلاقة بالجرائم الإرهابية والهادف لإسقاط الدولة المدنية والنظام الجمهوري”.

ودعا إلى “القيام بإجراءات تجميد الأموال الموجهة لهذا الأخطبوط قصد تجفيف منابع تمويلاته وإحالة الملفات فورا على اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب لتصنيف هذه التنظيمات في خانة التنظيمات الداعمة للإرهاب ومحاسبة كافة مؤسسيها ومسيريها والمتواطئين معها.

** النيابة ترد على الداخلية
الكتلة البرلمانية لحركة “النهضة”، قالت في بيان الثلاثاء إن اتهام البحيري بـ”شبهة إرهاب” هو “من اختصاص القضاء وحده للبت فيه دون سواه”.

واعتبرت أن إعلان وزير الداخلية لهذه التهمة “يؤكد الصبغة السياسية لكل ما تعرض له البحيري منذ اختطافه، ويعيد بلادنا مجددا إلى مربع الاستبداد والمحاكمات السياسية”.

ودعت الكتلة إلى “الإفراج الفوري عن البحيري دون قيد أو شرط ومحاسبة كل من تورط في هذه العملية”.

ووفق وزير الداخلية، فإن “اللجوء إلى قرار الإقامة الجبرية تم إثر تعطل الإجراءات القضائية، رغم عدم وجود أي داع لتعطلها”.

لكن النيابة العامة قالت، في بيان الثلاثاء، إنها “تستغرب تصريحات وزير الداخلية بشأن تعطل إجراءات فتح تحقيق حول معلومات بشأن حصول شخص سوري الجنسية وزوجته السورية على بطاقتي هوية وجوازي سفر تونسيين خلال إشراف البحيري على وزارة العدل”.

وتابعت أنها “تعاملت بكل جدية ووفق الإجراءات القانونية مع القضّية وفتحت تحقيقا في أجل لم يتجاوز 4 أيام من تاريخ توصلها بتقرير صادر عن الإدارة الفرعية للأبحاث في جرائم الإرهاب والجرائم المنظمة والماسة بسلامة التراب الوطني (تابعة للداخلية) في 20 ديسمبر الماضي، وما زالت التحقيقات متواصلة”.