الناس أنواع فكن من خيارهم

بقلم الشيخ كمال خطيب

بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقضي بين اثنين في خصام بينهما، تقدم ثالث للشهادة في هذه القضية . فقال له عمر رضي الله عنه: أنا لا أعرفك، ولا يضرك أنني لا أعرفك، ولكن ائت بمن يعرفك. فقام من بين الجالسين رجل وقال: أنا أعرفه يا أمير المؤمنين. فقال له عمر: بأيّ شيءٍ تعرفه؟!
قال أعرفه بالعدالة والفضل.
فقال عمر رضي الله عنه: هل هو جارك الأدنى الذي تعرفه، ليله ونهاره ومدخله ومخرجه؟ قال: لا
فقال عمر: فهل عاملته بالدينار والدرهم اللذين بهما يستدل على الورع؟ قال: لا.
فقال عمر: فهل هو رفيقك في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا.
قال عمر: إجلسْ فإنك لا تعرفه، أراك رأيته يرفع رأسه ويخفضه في المسجد؟
ثم قال للرجل: إذهب وآئتِ بمن يعرفك.
إنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعرف كيف وبماذا يوزن الرجال، وأنه لا تغريه المظاهر ولا يخدعه البريق ولا الألقاب، وإنما للرجوله موازين وضوابط لابد أن يأتيها من يريد أن يكون رجلًا بحق، ثم إن للإيمان موازين وضوابط لا بد أن يأتيها ويفعلها من يريد أن يكون مؤمنًا حقًا.
إن عمر رضي الله عنه قد عرف أن من الناس من يصلي ويأتي المسجد، ولكنه يمكن أن يخلع دينه على عتبة المسجد ويخرج للدنيا، يأكل مال هذا وينهش عرض هذا ولعله يسفك دم هذا.
إن عمر رضي الله عنه قد عرف بفراسته ولم يغرّه أن يرى مصليًا في المسجد يشحذ أسنانه بالسواك لتطبيق السنة، بينما هو بأسنانه ولسانه يأكل لحم أخيه المسلم { يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم } آية21 سورة الحجرات. ان السواك هو سنة، بينما ألا نغتاب بعضنا ولا ننهش بعضنا هو فرض وواجب.
إن عمر رضي الله عنه كان يعرف أن الرجل يمكن أن يكون في المسجد يصلي بل ولعله قد حج واعتمر، ثم إذا خرج من المسجد يذهب إلى مجالس فيها معاصٍ ومنكرات، بل ولعلها تدار فيها الخمرة أو يجلس في مجالس لهو وشعاره ( إذا صليت العشاء فافعل ما تشاء ).
إن عمر رضي الله عنه كان يعرف أن الرجل يرتاد المسجد، ولعله يتخطى الرقاب ليصل إلى الصف الاول ويرضى لزوجته وابنته التبرج والسفور، وكأنه هذا شيء وهذا شيء آخر، وكأن الذي ناداه للصلاة هو ليس الذي ناداه بإلزام أهله بالحجاب.
إن عمر رضي الله عنه كان يعرف أن الرجل يرتاد المسجد ويصلي ولعله على جبينه طبعة أكبر من طبعة السيسي من أثر السجود، بينما هو عاقٌ لوالديه، بل لعله يؤذيهما ليس بأفٍّ وإنما بأكثر من ذلك.
إن عمر رضي الله عنه كان يعرف أن الرجل يرتاد المسجد ويصلي ويصوم، ولكنه يؤذي جاره، بل لعله يصلي معه في نفس المسجد بينما هو قاطع له حتى في السلام، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “وما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه”.