أين ال(var) في مجالات الحياة المهمة..؟؟

وأنا أتابع مباراة لكرة القدم، سجل أحد الفريقين هدفا، فاحتج الفريق المسجل عليه، فاضطر الحكم إلى أن يعود لتقنية (var) فوجد بالفعل أن هناك تسللا بملمترات دقيقة لا ترى بالعين المجردة إلا بتقنية ال(var)..بعد مراجعة وسجالا ونقاش وحديث مع غرفة التحكيم واحتجاج وتدخل للجمهور…

فقلت في نفسي أين هذا ال(var) المبارك في مجالات الحياة المهمة؟؟

قبل الانطلاق، للعلم فإن كلمة (var) هي الحروف الأولى من جملة إنجليزية وهي (video assistant referee) ومعناها (التحكيم بمساعدة الفيديو) ويمكن أن نختصرها في اللغة العربية ب(تَمْفِ) أو ال(تمّ) وتشير إلى (التحكيم بمساعدة المرئي)

والآن لنجب على ذلك السؤال العالق..

أين ال(تمف) أو ال(var) في مجالات الحياة المهمة..؟

فالمقصود والهدف والغاية من هذه التقنية هو إحقاق الحق، والإمعان في العدل، وترسيخ معاني الإنصاف، وتحري الحقيقة، وتهدئة النفوس، ونصرة المظلوم، والسواسية في التعامل، والاحترام حقوق الإنسان اللاعب! وسد الذريعة أمام أي غش أو محاولة غش أو تفلت او خداع أو مكر أو اختلاس أو اعتداء أو ظلم أو هضم للحق أو مساومة أو شراء ذمم أو تلاعب أو غير ذلك من المفاسد..

وهذا أمر جميل أحيي عليه القائمين على (فيفا) في أن يصلوا إلى هذا المستوى من الدقة في إشاعة العدل والإنصاف والمساواة في الملاعب…

فالعدل مطلوب في جميع مجالات الحياة جدها وهزلها..
لذلك جاء ذكر الذرة وحبة الخرذل والنقير والقطمير في القرآن الكريم وفي السنة النبوية عند الحديث عن موازين يوم الحساب لتكون موازيننا في الحياة بتلك الدقة أو قريبا منها، وأن يكون هذا المعنى قانونا حاضرا في حياتنا وتعاملاتنا وتصرفاتنا، وجاء ذكر الفضل والعفو ليكون ذلك مبدأ بعد إحقاق الحق وإقامة العدل وثبوت الحقيقة وامتلاك الحق في العفو (وأن تعفوا أقرب للتقوى)..

فمن يعلم ويوقن بأن حسابه سيكون بالذرة وحبة الخردل والنقير والقطمير، لا شك ولا ريب بأن موازينه في الحياة الدنيا ستكون بتلك الدقة أو قريبا منها، أو سيكون هذا المعنى حاضرا في حياته وسيحاول ما أمكن تطبيقه وتفعيله وإصدار قوانين تحقق ذلك، مع علمه اليقين بأنه لا أدق ولا أعدل ولا أنصف من موازين الله وقوانينه في تسيير هذا العالم وإدارته..

فمن المفارقة والمناقضة والازدواجية وتجميد النصوص أن يكون ميزان حسابنا بالقطمير، وميزان حياتنا بالمكيال أو بغياب ذلك الميزان أصلا!!
لنرجع إلى (var) أو (تمف) الملاعب..

هذا التوصل والتطور والتقدم محمود، وقد سارت عليه جميع الملاعب، حتى ملاعب الأزقة والأحياء أصبحت تحاول جاهدة وبإمكانات بسيطة من هواتف وكاميرات أو تطبق هذا القانون ليسود العدل في جميع الملاعب على الإطلاق..

إذن فالملاعب الكبيرة تعلم وتؤثر في الملاعب الصغيرة، والبطولات والمنتديات العالمية تؤثر في بناتها من البطولات والمنتديات الإقليمية والوطنية والمحلية، حتى أصبحت تلاحظ بأن أطفالا يلعبون في رقعة صغيرة يتداولون هذه الكلمة فيما بينهم (var)

هنا نقف ونسأل أين ال(var) أو (تمف) في مجالات الحياة المهمة..

أين ال(var) في إداراتنا..في جودة خدمتها، ومراقبة موظفيها والوافدين عليها، في مراقبة المراقبين، في إحقاق الحق، في تيسير شؤون المواطنين، في القضاء على الرشوة والوساطة.. تلك الإدارة التي ينبغي أن يشعر فيها المواطن بمعنى الاحترام والكرامة والانتماء وحسن المعاملة وعدم النظر إلى جيوبه وابتزازه..

أين ال(var) في محاكمنا.. في إحقاق عدل الله في أرضه وبين خلقه، بعيدا عن كل المراوغاة والتدليسات والمظالم واستغلال جهل الناس، باسم القانون وتحت عباءته، تلك المحاكم التي باتت وكرا للفساد والظلم وإحقاق الباطل، تلك المحاكم التي تدار بالهواتف، والمحسوبيات، عوض أن يشعر فيها المواطن بالسكن يتعريه وابل من الشجن..

أين ال(var) في مدارسنا وجامعاتنا.. في قيامها بدورها العلمي والتربوي على أحسن وجه وأتمه، في أقسامها وصفوفها وإدارتها واختيار الكفاءات المفعمة بمعاني التربية والأخلاق، وحماية هيبة الأستاذ وتقديره، ومراقبة المناهج وإتمامها وتطبيقها، وموافقتها للثوابت، ومراقبة الغيابات، ومحاولات الغش، وما يحدث في المدارس من تحرشات واعتداءات وغيرها، أما الداخليات والأحياء الجامعية فحدث ولا حرج!! عن مظاهر الفساد والنهب والاختلاس!!
أما القطاع الخاص والمدارس الخاصة فهي في حد ذاتها خروج عن المألوف والمفروض والمطلوب، فهي لا تحتاج ل(var) داخلي، بل تحتاج ل(var) يراقب وجودها وانتشارها ويجيب عن أسباب ذلك ودواعيه ودوافعه!!
حين يسمع ويشيع، بأن المدرسة الفلانية أو الجامعة الفلانية صارت وكرا للفساد والإجرام، مع النداءات والمطالبات والاحتجاجات للحد من ذلك، أين تقنية ال(var) لتقف المباراة بأكملها لنقف عند ذلك وحقيقته ونكافح ما يمكن مكافحته!!

أين ال(var) في مستشفياتنا..في الاعتناء بالمريض، وتلقفه وإنقاد ما يمكن إنقاده، وعلاج ما يمكن علاجه، وقيام الأطقم الطبية والتمريضية بواجباتها دون إهمال أو ابتزاز، ودور الإدارة في انتظام خدمات المستشفى وضبطه وإقامة العدل والمساواة، مع الاهتمام بالتجويد والتجديد، وعدم إلجاء المريض إلى المصحات الخاصة التي أضحت مسلخات، يسلخ فيها جيب المواطن، ومسارح تعرض على خشباتها مسرحيات الاعتناء والاهتمام والابتسام، ما إن يدخل المريض ويسلب جيبه، حتى يكشر له عن الوجه الآخر..
أين ال(var) حين يعلم القاصي والداني بأن هذا المستشفى وذاك والآخر يرمى فيه المرضى في ممراته، مع خواء وتعطل لأجهزته، ومحسوبية وارتشاء وووو، أين ال (var) ليوقف الحكم المباراة لينظر في حقيقة ذلك !!!

أين ال(var) أو (تمف) في مساجدنا.. في قيامها بدورها الروحي والفكري والتربوي.. لتصبح بساتين غناء تلجها، فتجد حلقات العلم والتربية والتسليك حول سواريها وعوامدها وكأنها الورود والزهور تفيح عطرا وفكرا نيرا، في ترسيخ الثوابت وتصحيح المسار، وإمعان معاني الوسطية الحقة، وتربية النشئ على القيم، ودعم ذلك وتفعيله ومواكبته، تجدها خاوية على عروشها، بمجرد أن يسلم الإمام تسمع قرع الباب للخروج!!

أين ال(var) في البرلمانات؟
أين ال(var) في دوائر الحكم؟
أين ال(var) في المؤسسات والجمعيات والنقابات؟
أين ال(var) في المقرات الأمنية؟
أين ال(var) في في السجون؟
أين ال(var) في الإعلام؟
كل واحد من هذه تحتاج إلى وقفات..

قد تقول لي الذين وضعوا ال(var) من دول المركز كما يسميهم الدكتور النفيسي أو الدول القائدة والمتقدمة، قد أعملوه في كثير من تلك المجالات المهمة؟

أقول: نعم، وهذا مشهود به، إلا أن ال(var) نوعان : قيمة وتقنية؟

فال(var) التقنية وسيلة تستخدمها متى شئت وكيف شئت وأينما شئت؟ تستخدمه هنا، وترفض استخدامه هناك، حسب المصلحة والمزاج..

وهناك ال(var) القيمة الذي يكون ذا قيمة يحافظ عليه في كل الأحوال والظروف ومع الجميع دون مزاجية أو الازدواجية أو عنصرية أو استثنائية..

والمتابع المشاهد يوقن ويقر بأن (var) تلك الدول من النوع الأول، حتى في تلك المجالات المهمة، فالذي يستخدم ال(var) في حقوق حيوان وطائراته وأساطينه تدك مئات بل آلاف من البشر، أين ال(var) من ذلك؟
الذي يتعامل مع انظمة مستبدة ويثبت أركانها على رغم أنوف الشعوب، أين (فاره) هنا؟

فهي مجرد تقنية تستخدم بطريقة مصلحية ازدواجية..

أما عن دولنا ومجتمعاتنا، فلا (var) لها، لا في التقنية والوسيلة، ولا في القيمة والحقيقة، دول بنيت وأسست على اللا(var) وألا تحكيمٍ أصلا لا بمساعدة الفيديو ولا بغيره..
والواقع خير شاهد، ومع ذلك استوردوا تلك التقنية كما استوردوا غيرها وإن كان هذا الاستيراد أفضل من غيره، لأنه يخرج نسبيا الملاعب من دائرة اللا(var) نسبيا!! وإن كان هذا الاستيراد لا معنى له، في دول لا تقيم لل(var) رأسا إلا في الملاعب!!
وإن كنا ومع الأسف الشديد على الواقع المرير أولى بذلك ال(var) لأننا نحمل رسالة الله..
فال(var) الحقيقي هو var الله ومن سلك مسلكه وانتهج نهجه حقيقة، فمن نأى عن (var) الله فلا (var) له!!!

سفيان أبوزيد